بنوك الفقراء

 

تبني (أجفند) مشروعه الخاص بإنشاء بنوك الفقراء في الوطن العربي، انطلاقاً من القناعة الراسخة بفعالية اتاحة الخدمات المالية الشاملة للفقراء (إقراض صغير ، ادخار، تأمين) في محاربة الفقر والتخفيف من حدته في المجتمعات العربية، ورفع المستوى المعيشي لشريحة الفقراء لتصبح قوة منتجة تعتمد على ذاتها وتسهم في دعم مجتمعاتها . فالمبادرة التي يقودها الأمير طلال بن عبد العزيز، رئيس (أجفند) لـتأسيس بنوك الفقراء هي حصيلة خبرة تنموية تمتد أكثر من ربع قرن تعامل خلالها (أجفند) مع الشرائح المجتمعية ووقف على معاناتها. والمبادرة من جانب آخر تعكس مواكبة (أجفند) لتطورات مفاهيم استدامة التنمية.
بعد أن تبلورت جهود ( أجفند) في مجال مكافحة الفقر في مشروع بنك الفقراء في الوطن العربي، أفضى المشروع إلى مبادرة من عدة جوانب متكاملة أهمها: الشراكة الاستراتيجية مع البروقيسور محمد يونس، مؤسس بنك غرامين لمكافحة الفقر في بنجلاديش ، الفائزة بجائزة نوبل للسلام 2005 ، ومن خلال هذه الشراكمة يتم تطوير (نموذج أجفند ـ غرامين) لإنشاء بنوك لتقديم الخدمات المالية الشاملة للفقراء ، بالتعاون والتنسيق مع الحكومات والقطاع الخاص، وإنشاء وحدة للدعم الفني لبنوك الفقراء، والعمل على نشر ثقافة الإقراض الصغير وتهيئة المؤسسات لاعتمادها وتطبيق أفضل الممارسات في تقديم الخدمات المالية الشاملة للفقراء، واستكشاف المشروعات الرائدة، من خلال جائزة أجفند العالمية. يجري تأسيس بنوك في كل من : سيراليون، لبنان، السعودية، السودان، فلسطين ، المغرب ، موريتانيا .

 بنك للفقراء في بنجلاديش يتحدث عنه العالم أصحابه كلهم من الفلاحين ورئيسه مرشح لجائزة نوبل

بقلم : طلال بن عبد العزيز

رئيس برنامج الخليج العربي لدعم مُنظمات الأُمم المُتحدة الإنمائية

 ورئيس المجلس العربي للطفولة والتنمية

نشرت بصحيفة الأهرام بتاريخ 20 مارس 1996 

دعتني منظمة اليونسكو إلى ندوة عقدتها في الشهر الماضي مع بنك في بنجلاديش اسمه جرامين GRAMEEN BANK يُمكن أن نعتبره واحداً من أشهر بنوك العالم ، وإن لم يكن معروفاً كثيراً في عالمنا العربي للأسف . ولقد كنت أتطلع إلى حضور هذه الندوة بالفعل بعد أن جابت شهرة البنك الآفاق . إلا أن مشاغل طارئة حالت بيني وبين ذلك فأنبت للحضور ممثلاً شخصياً عني الأستاذ حمدي قنديل الذي قضى خمس عشرة سنة في اليونسكو. ولأهمية الندوة فقد ترأسها الصديق فيديريكو مايور مدير عام المنظمة ، ومعه الدكتور محمد يونس أستاذ الاقتصاد في بنجلاديش الذي أنشأ البنك، كما حضرها عدد كبير من ممثلي المنظمات الدولية والإقليمية ومن الشخصيات المرموقة في العالم في مقدمتهم الملكة صوفيا ملكة أسبانيا والعديد من وزراء وسفراء دول العالم المختلفة وعدد من مشاهير مصممي الأزياء في أوربا. وأرى لوفرة المعلومات عن هذه التجربة وكونها غاية في الثراء والإثارة للاهتمام البالغ أن أضعها تحت نظر الاخوة العرب أملاً أن يحظى الموضوع برمته بدراسة مثمرة في محاولة جادة لاقتباس فكرته وتطبيقها في عالمنا العربي . كان الدكتور يونس يدرس الاقتصاد في جامعة بإحدى المناطق الريفية حتى منتصف السبعينيات، عندما تبين أن ما يدرسه في الجامعة لا علاقة له بما يراه من حوله ، وأن مبادئ الاقتصاد النظرية التي يلقنها للطلبة لن تجدي وحدها في تقدم بنجلاديش ، وكانت أول نتيجة استخلصها أن معظم البنوك قائمة على أسس لا يمكن أن تخدم الفقير، وأنها بنظامها القائم في بلاده ـ ومعظم بلدان الدنيا إن لم تكن كلها ـ تعمل لخدمة القادرين مادياً وحدهم، ففي حين أنها تجمع مدخرات كل الناس على السواء ، فهي عندما تقوم باستثمار تلك الأموال فهي لا تستثمرها إلا في مشاريع القادرين ، وعندما تقدم القروض فهي لا تقدمها إلا لأولئك الذين يملكون الضمانات، أو هكذا هو المفروض. وكان الدكتور يونس يحلم بنظام معاكس تماماً.. يحلم بإقراض غير القادرين مادياً الذين لا يملكون أي ضمان، وبأن يدخل هؤلاء في دورة الإنتاج ما داموا قادرين على العمل، وكان يثق بأنهم سيسددون القروض ويضخون مزيداً من المال لمزيد من الاستثمار. فبينما الفلسفة السائدة تقوم على أساس الدائرة المفرغة الأبدية ‘‘ دخل ضئيل، مدخرات ضئيلة، استثمارات ضئيلة’’، كانت الفلسفة التي قام عليها بنك جرامين هي ‘‘ دخل ضئيل، اقتراض، استثمار، دخل أكبر، استثمار أكبر، دخل أكبر’’، وهكذا. لكنه في عام 1976 عندما تبلورت الفكرة في ذهن الدكتور محمد يونس لم يكن هناك بنك في بنجلاديش يوافق على تقديم قرض للفقير بدون ضمان. واضطر يونس أن يضمن بنفسه خمسة من الفلاحات مقابل قرض لم تصل قيمته إلى 300 دولار لهن جميعاً. وحفيت أقدامه على بنوك عديدة للحصول على قروض أخرى، لكن مرتبه لم يسمح له بتقديم أي ضمان إضافي. وعندما اشترت الفلاحات أنوالاً للنسيج وفقاً لنصيحة الدكتور يونس، وبدأن في إنتاج نسيج الموسلين الشهير الذي اشتهرت بنجلاديش بإنتاجه من مئات السنوات، وقمن بتسديد القروض، تأكد الرجل أن المغامرة لم تعد فيها مخاطرة، وبدأ مسيرة العشرين عاماً التي انتهت بجلوسه في مقعد الصدارة باجتماع اليونسكو، وحصوله هو والبنك ـ الذي أصبح أكبر بنوك بنجلاديش قاطبة ـ على جوائز التقدير من مؤسسات عالمية مرموقة، ورواج الأنباء بأنه سوف يُرشح لجائزة نوبل لجهوده في مكافحة الفقر (الذي خصصت الأمم المتحدة عقد التسعينيات لمقاومته) ولدوره في الارتقاء بمكانة المرأة. لقد غامر محمد يونس على قدرات المرأة، وكان الكل في بنجلاديش يخشون من هذه اللعبة ويتهمون يونس بالجنون. وبالفعل فعندما كان مندوبو البنك يذهبون إلى النساء في بداية التجربة لإقناعهن بطلب القروض وشراء الأنوال وإنتاج النسيج ، كانت النساء أنفسهن يرفضن لأنه لم تكن لديهن تجربة في التعامل بالمال . وكن يطلبن تقديم القروض إلى الأزواج، وكان مندوبو البنك يرفضون على الدوام . لكن المشروع تغلب على كل العقبات، وبلغ عدد المقترضين من البنك على مدى السنوات الماضية أكثر من 2 مليون شخص، بينهم ما يزيد على 1.9 مليون امرأة ، أي بنسبة 92% تقريباً. وبلغت نسبة سداد القروض 98%، وهي نسبة لا يعرفها بنك في العالم فيما أعلم، ولا تعرفها بنوكنا العربية على نحو ما نقرأ في الصحافة. ولم يكن المقترضون يفعلون ذلك عن خوف من أي شروط وقعوا عليها، إن كل ما يوقع عليه المقترض هو (12) إقراراً وليس شرطاً، وهذه الإقرارات نابعة من الريفيين أنفسهم، لم يفرضها أحد عليهم. من بينها مثلاً أن يلتزم المقترض أن يرسل أولاده إلى المدارس عندما يبلغوا سن التعليم، أو أن يعلم الأميين في عائلته القراءة والحساب ، أو أن يركب صنبوراً للماء النقي في بيته، أو أن يلتزم بتنظيم الأسرة، وما إلى ذلك من إقرارات بأمور بسيطة ويسيرة تُسهم في تقدم الفرد والمجتمع وفي تطور بنجلاديش . وكان المقترضون قادرين على تسديد القروض لأربعة أسباب: السبب الأول أن المقترضين كانوا يتجمعون في مجموعات عددها خمس فلاحات في المتوسط، وبهذا فإذا مرضت إحداهن مثلاً أو تعثرت في الإنتاج أعانتها الأخريات. أي أن المجموعة تكون دائماً متضامنة في سداد القروض. السبب الثاني أن البنك أقام شركة لتسويق منسوجاتهم في الغرب حتى أنه استطاع في العام الأخير وحده أن يصدر 4 مليون متر من هذه المنسوجات إلى إيطاليا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وغيرها. والسبب الثالث أن المقترضين الفقراء أصبحوا هم الذين يملكون بأنفسهم البنك. فقد ابتدع الدكتور يونس نظاماً يقضي ببيع سهم في رأسمال البنك قيمته 10 دولار للمقترض الذي تبدأ أحواله في التحسن. أما السبب الرابع فهو أن البنك هو الذي ذهب إلى الناس، ولم يطلب ـ كما هو الحال بالنسبة لبقية البنوك ـ أن يذهب الناس إليه. وهكذا انتشرت فروع البنك في أنحاء بنجلاديش حتى أصبح عددها 1062 فرعاً تغطي 35441 قرية، أي أكثر من نصف قرى البلاد. ونجح بذلك بنك جرامين في مد الخدمات المصرفية إلى غير القادرين مادياً من النساء والرجال، وفي إعطاء الثقة للمرأة وإشراكها في الإنتاج وصنع المستقبل، وفي التخلص من استغلال مقرضي الأموال، وفي إيجاد فرص عمل للذين كانوا يعانون من البطالة في الريف، وفي ضم المواطنين الأقل حظاً في تنظيم مؤسسي يمكنهم فهمه ويمكنهم إدارته، وفي إحياء حرف النسيج اليدوي الذي يحمل التراث الثقافي بعد أن كاد يتهاوى أيام الإنتاج الصناعي النمطي، وفي ترديد اسم بنجلاديش على ألسنة ملايين لم يسمعوا بها من قبل. وهكذا فعندما انعقدت الندوة شارك فيها عدد من مصممي الأزياء المشاهير في أوربا. وبعدها افتتح معرض النسيج، حيث قيل أن فستان السهرة من قماش الموسلين قد لا يكلف أكثر من 30 فرنك (أي عشرون جنيها) وأن عدداً من بيوت الأزياء بدأ يقبل عليه حيث وجدوا فيه اللمسة الإنسانية التي يفتقدوها في الإنتاج الصناعي النمطي. وكان الكثيرون يعرفون هذا القماش من قبل بعد أن انتشرت في صحف العالم وقنواته التليفزيونية صور لهلاري كلينتون قرينة الرئيس الأمريكي وهي ترتدي هي وابنتها فساتين منه عند زيارتهما لبنجلاديش. وما أن أتى المساء حتى كان الدكتور يونس ضيفاً على برنامج شهير في إحدى قنوات التليفزيون الفرنسي الرئيسية، وفي الليلة التالية ظهر في برنامجين آخرين، حتى أصبح الدكتور يونس وبنك جرامين حديث الناس في فرنسا. وكم أتمنى أن يكون في الدول العربية مثل هذا البنك الناجح. وتساءلت لماذا تقوم البنوك في عالمنا العربي بقصر خدماتها على القادرين أساساً؟ ولماذا لا تخدم غير القادرين مادياً أيضاً؟ ولماذا لا تُشرك هؤلاء البسطاء في دورة رأس المال؟ ولماذا لا توفر لهم فرصاً للعمل وللمشاركة في الإنتاج وللمساهمة في تقدم البلد؟ إن الرد المتوقع أن البنوك تُسهم بأموالها ـ التي هي أموال المودعين أساساً ـ في إقراض المستثمرين الذين يبنون المصانع ويقيمون المشروعات التي تتيح في النهاية لأولئك الأقل حظاً أن يعملوا وينتجوا. لكن هذا شيء مختلف. هو شيء مطلوب نعم لكنه ليس كل ما هو مطلوب. إن اللهاث وراء القادرين مادياً وحدهم سيؤدي دائماً إلى تهميش دور البسطاء غير القدرين مادياً في المجتمع. ولذلك فإن البنوك القائمة الآن لا تكفي وحدها ما دامت لا تمد خدماتها إلى هؤلاء، وأعتقد أيضاً أن المؤسسات التي لها أسماء براقة وأهداف جذابة مثل البنوك التعاونية، والبنوك الائتمانية، بل وحتى البنوك الإسلامية لا تسد هذا الفراغ وسوف نتأكد من ذلك إذا طالبناها بأن تقدم لنا كشف حساب عن الذين قدمت لهم القروض أو أشركوهم في التنمية . من هم؟ وإلى أي فئة في المجتمع ينتمون؟ وما هي المبالغ التي قدمت إليهم وحجمها؟ وبأي ضمان؟ وما هي المبالغ التي ردوها؟ وأي مشاريع تلك التي قاموا بها؟ وما هي حقاً تلك التنمية التي ينسبها البعض إلى أسماء بنوكهم؟ إننا لا نُريد بهذا الحديث أن نُندد ببنك بعينه، أو ننبهر بتجربة مدهشة لبنك في بنجلاديش، أو نصب غضبنا على بعض مؤسساتنا المصرفية ، كل ما نقوله أنه لابد أن يكون هناك اتساع في أُفق فلسفة النظام المصرفي في بلداننا العربية ، بحيث لا يقوم فقط على خدمة الأغنياء ، بل يتسع أيضاً لإشراك غير القادرين مادياً ومنحهم الفرصة في أن تكون لهم مؤسسات خاصة بهم ، لا لكي تقرضهم فقط ما داموا قادرين على العمل ، بل وليتملكوها أيضاً ، وليديروها ، وليكون لهم رأي وإسهام ومشاركة في مصيرها ومصائرهم هم أنفسهم، وليكون لهم دور في تنمية بلادهم وتقدمها. وأنا لا أود أن أكتفي في هذا المقام بسرد المعلومات عن تجربة أعتقد أنها ناجحة ويمكن اقتباس فكرتها في عالمنا العربي، لكني أجد من واجبي أن أتجاوز ذلك للقيام بخطوة إيجابية. ويسعدني أن تطرح وتتبنى معي صحافتنا ووسائل الإعلام فكرة قيام مشروع بنوك عربية مثل بنك جرامين في مختلف البلدان العربية، وبالذات في أقل مناطق هذه البلدان حظاً. ومعلنا في هذا المقال أن المجلس العربي للطفولة والتنمية ـ الذي أتشرف برئاسته وباعتباره معنياً بالتنمية وبمستقبل الأجيال الناشئة ـ على استعداد أن يقدم قرضاً بلا فوائد يُسدد على عشر سنوات بعد فترة سماح قدرها خمس سنوات تبلغ قيمته نصف رأس مال البنك المقترح في حدود مائة وخمسين ألف دولار كنواة لأي مبادرة لإنشاء هذا البنك، للنهوض بأحوال غير القادرين مادياً في أي بلد عربي ليحولهم إلى أعضاء نافعين منتجين في مجتمعاتهم العربية. وليتنا نبدأ كتجربة رائدة من مصر ليس لكونها بلداً معطاء تحرص مؤسساته على توفير مُستقبل أفضل للجميع ، وهي التي أنجبت من قبل رجلاً مثل طلعت حرب رائد التجربة المصرفية الوطنية الناجحة ، بل وأيضاً لكثرة عدد قراها وحجم عدد سكانها ونسبة القادرين منهم على العمل نساءاً وشباباً في مقتبل العمر ولتنوع بيئاتها الاقتصادية وتعدد الطوائف المهنية والحرفية وأرباب الصناعات الصغيرة الريفية وغيرها ، ولقدم رسوخ العمل المصرفي فيها ، أملا عند نجاح التجربة تعميمها في سائر البلاد العربية.

princetalal.net/new/post.php

 

اضغط هنا لمشاهدة الصفحة الثانية